بسم الله الرحمن الرحيم

الترويكا الحاكمة والفئة الحاكمة

 

هل كان بوسع الترويكا وتحديدا حركة النهضة مواصلة حكم تونس بدون الإذعـان والقبول بالتعامل والتشارك مع حكام تونس السابقين وخصوصا منهم حركة نداء تونس سليلة التجمع الدستوري  الديموقراطي؟
فتحت أنظار الأمة في تونس ودماء شهداء ثورته مازالت عبيطة ، نقلت إلينا التلفـازات خلال الأسبوع الفارط خطابات مباشرة لوزير داخلية وخارجية بورقيبة الباجي قايد السبسي وهو يثمن قبول حكومة حمادي الجبالي المستقيلة بالتعامل مع حزبه وإشراكه في الحكم ، كما نقلت إلينا نفس هذه التلفازات كلمات مباشرة لكل من وزير خارجية بن علي كمال مرجان ووزير داخليته  في سنوات الجمر محمد جغام وهما يعلنان لشعب تونس بأنهما أصبحا طرفا رسميا في الحكم يؤخذ رأيهما ويسمع منهما ، ويمكن أن يكونا شريكين فيه خلال الحكومة القادمة .

هكذا إذن وبعد صراع طويل ومرير على الأمة في تونس ،أذعنت حركة النهضة للأمر الواقع، وتأكد التحدي الذي رفعه الباجي قايد السبسي بالقول بأنّ النهضة لا يمكنها أن تحكم تونس منفردة وبدون مشاركة حكام تونس السابقين والحكام الفعليين حاليا.
ومن جهة أخرى اتضح ـ تهافت وتهاوي الديمقراطية كنظام حكم وأنّها مجرد فكرة خيالية لا يمكن أن  تطبق واقعيا، وبأن خرافة الشعب يحكم نفسه بنفسه ما هي إلا كذبة كبرى افتعلها المبدأ الرأسمالي لاستغلال الشعوب والاستيلاء على مقدراتها وثرواتها.

إنّ الديمقراطية المقصودة والتي وقع تسويقها للأمة في تونس كما في مصر ليست الاختيار والانتخاب وتحديد هوية الحكام ، بل الديموقراطية التي يتحدث عنها هؤلاء الحكام هي أن يحكم الشعب نفسه بنفسه فيكون صاحب السيادة ، وبالتالي فهو من يشرع وهو من يحدد نمط الحكم والنظام الذي يجب الاحتكام إليه من الناس في معاشهم وأعراضهم وأموالهم

وبالرغم من أن ديمقراطيتهم قد أفرزت الحكم للأغلبية المتمثلة في حكومة الترويكا أي أحزاب النهضة والمؤتمر والتكتل ، فقد اتضح بما لا يدع أي مجال للشك بأن الحاكم الحقيقي والفعلي لكل بلد هو الفئة الأقوى ، ولا يتأتى لأي نظام مهما كانت شعبيته أن يحكم بلدا ما لم يتغلب على الفئة الحاكمة الأقوى فيه ،  وذلك بأن يجعلها تتفق معه في نظرته إلى المصالح ، أو يتفق هو معها في نظرتها للمصالح من وجهة نظرها ، فتتمكن حينئذ هذه الفئة أو تلك من تسيير مصالحها ومصالح جميع الفئات وفق مقياسها لهذه المصالح فتنصهر جميعها في مقياس المصالح للفئة الأقوى.

ومن هنا كان حزب حركة النهضة أمام خيارين إثنين لا ثالث لهما:

الأول هو أن تصنع النهضة فئة حاكمة وتجعلها الأقوى لتتمكن من صهر بقية الفئات ضمن نظرتها للمصالح فتصنع منها جميعها فئة واحدة تحكم البلاد بها ، ونعتقد في هذا المستوى بأن حركة النهضة قد تخلت عن هذا الهدف بمجرد استنكافها عن المشروع الإسلامي العظيم ، وتعبيرها صراحة على تخليها عن تطبيق الشريعة باعتبارها مصدرا للفتنة على البلاد التونسية كما جاء لسان رئيسها الشيخ راشد الغنوشي، وبهذا تملصت نهائيا من مشروعها السياسي الذي تأسست لأجله ، و تخلت عن خلق فئة حاكمة قوية تمكنها من أن تصهر بقية الفئات في بوتقتها فتوحد نظرتها للمصلحة وتمارس بواسطتها الحكم.

أمّا الخيار الثاني للحكم وهو الخيار الحالي الذي انطلقت في تنفيذه منذ تسلمت مقاليد البلاد ، فيتمثل في التشارك مع بقية الفئات ، فتحالفت بهذا المقتضى الغربي مع حزب التكتل من أجل العمل والحريات وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية من خلال الترويكا وهما حزبان علمانيان إلا أنها لم تتمكن من التغلب على الفئة الأقوى في تونس وبذلك أخفقت الحكومة وأخفق المسار .

وهكذا اتضح بأنه وبالرغم من الإعلان الصريح لحركة النهضة بأنها تتبنى النظام الرأسمالي الديموقراطي العلماني ، إلا أنها لم تقدر أن تحكم البلاد ، لأن الفئة الحاكمة السابقة ظلت هي الأقوى في ظل تخلي النهضة عن خلق فئة حاكمة على أساس مشروعها الإسلامي .

فالفئة الحاكمة الأقوى ليست مواقع الحكم ولا رؤوس الوزارات والإدارات لأنهم كانوا مجرد أداة تنفيذية لإملاءات الفئة الحاكمة الحقيقية والفعلية التي كانت تصهر جميع أفراد المجتمع في نظرتها للمصالح ، بل إن الفئة الحاكمة هي التي أثرت مباشرة في مفاصل الحكم في تونس وكونت مشهده العام وهي التي كانت عصية عن تطويع النهضة لها .

إنها رجال التجمع المنحل والمعارضة اليسارية والعلمانية التي شكلت إطارا للمعارضة الديكورية في زمني بن علي وبورقيبة، كما أنها رجال المال والأعمال الذين نهبوا البلاد وقوت العباد ، والاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة ووسائل الإعلام وديناصورات الإدارة التونسية الذين سيطروا عليها طيلة القرن الفائت .

وهذه الفئة هي الأقوى لأنها سليلة الاستعمار المباشر لبلاد المسلمين وصنيعته ، أما ما يسمى بأغلبية الشعب والصندوق الانتخابي فهي الكذبة الكبرى التي طوعت بها الرأسمالية شعوب العالم ، فالفئة الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية هي رجال الأعمال واللوبيات وشركات صناعة الأسلحة والشركات البترولية وعصابات المخدرات والإعلام ومراكز البحوث وقوى الضغط وهي نفسها الفئات الحاكمة القوية التي تحكم جميع بلدان أوروبا الديموقراطية ، بل هي ذاتها التي كانت تحكم في ظل النظام الديموقراطي لكل بن علي و حسني مبارك والنظام الجماهيري لمعمر القذافي  .

هكذا إذن تحكم البلدان، فالديمقراطية بمعنى أنّها حكم الشعب لنفسه بنفسه هي مجرد فكرة خيالية يستحيل انطباقها على الواقع المعيش
ألم يدعو الباجي قائد السبسي إلى حلّ المجلس التأسيسي وإنهاء الشرعية في تونس إثر اغتيال شكري بالعيد ؟  ألم تطلب الجبهة الشعبية مثلا ومباشرة وبعد سويعات قليلة من الاغتيال إلى عدم إقصاء أي طرف بما في ذلك رجالات بن علي وتدعو إلى مؤتمر وطني للإنقاذ بعيدا عن شرعية المجلس التأسيسي ، ألم يشن الاتحاد العام التونسي للشغل طيلة سنة كاملة غارات متواصلة من الإضرابات بالشكل الذي أوقف دواليب الحياة الإقتصادية .ألم تنادي ولا زالت تنادي  وسائل الإعلام في تونس ليلا نهارا بضرورة التخلي عن فكرة الأغلبية كأساس للحكم والنزول إلى الحوار على الطاولة مع كل المشاركين الفعليين في الحياة السياسية ؟ ثم هل توقفت طيلة الفترة السابقة عن نشر القلاقل وتضخيم الوقائع والأحداث التافهة وجعلها الحدث لتوجيه الرأي العام إليها.

إن وسائل الإعلام التي تغطي لمدة عشرة دقائق وقفة احتجاجية لعمال مناولة لم يقع ترسيمهم في شغلهم ، أوالتي تصنع من منع لبس النقاب في جامعة منوبة حدثا يوميا لمدة ثلاثة أشهر  ، ولا تغطي وقفة حزب التحرير أمام المجلس التأسيسي بالرغم من ضخامتها ، أو الوقفة التي نظمها أمام سفارة فرنسا ورسالة العزة التي بعثها إلى فرنسوا هولند إلا لمدة ثلاثون ثانية أو لدقيقتين ، تؤكد فعلا مدى تغلغل الفئة الحاكمة الأقوى في مفاصل الحكم في البلاد.

هكذا إذن تعاملت الفئة التي حكمت تونس لأكثر من خمسين سنة وهكذا كانت خطتها لاستعادة الحكم أو على الأقل للاشتراك فيه ، فمنذ أن رسمت خطتها وذلك للإيعاز للبعض بحل التجمع، ثمّ بإخراج الباجي قائد السبسي من قمقمه وطرح كمنقذ وحيد للبلاد، وبعد أن شرع بمساعدة رجالات فرنسا من الحقوقيين  القانون الانتخابي ، ثم استولى وزراءه  على أرشيف الفساد الذي ما انفكوا يساومون به على حد الآن الكثير من الفاعلين لضمهم إلى صفوفهم ، وأخيرا وليس آخرا التصفية الجسدية ومحاولة جرّ البلاد إلى حرب أهلية، انطلقوا الآن في استعادة مواقعهم فعليا وما قبول زعماء النهضة بملاقاتهم والتفاوض معهم إلا أمارة واضحة على إذعانهم لهم .
وعلى هذا فلا وجود لأي مخرج لحزب حركة النهضة التي خذلت أنصارها والمشروع الإسلامي العظيم ، إلا  التحالف والتشارك مع الفئة الحاكمة السابقة بكل مكوناتها ، أما الخطابات الرنانة بعدم تنازلها عن الحكم أو عن المحاسبة فهي مجرد ذر الرماد على العيون وتنفيس للثورة المعتملة في صدور الأمة، ولكن الأكيد أن خيار النهضة هذا هو خيار قاتل لأن عقلية الفئة الحاكمة السابقة مبنية ومؤسسة وموجهة دائما إلى الاستيلاء على الحكم، وهي مبنية ومؤسسة وممنهجة على معادات الإسلام بل واقتلاعه من جذوره في جميع البلاد الإسلامية لأن مشروعها هو مشروع الغرب الاستشراقي ، وهي ترفض حتى مجرد النفس الإسلامي وتعمل على تدميره وإبادة أهله

والمؤكد في كل هذا، هو أن الجميع يشارك بحسن أو بسوء نية في تحييد هذه الثورات وقطع الطريق عن الأمة المجاهدة عن استئناف الحياة الإسلامية وإقامة دولة الخلافة دولة العز والكرامة والسؤدد والرعاية والكفاية.

 

 

بقلم الأستاذ: عماد الدين حدوق

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير تونس

 

 

     
12 من ربيع الثاني 1434
الموافق 2013/02/23م
   
     

www.hizb-ut-tahrir.info